سيف سعودي يكتب التاريخ

بين نخبة أبطال العالم … خليفة العميري يكتب إسمه كأول لاعب سعودي يحصد ميدالية في بطولة العالم للمبارزة

قبل بطولة العالم للمبارزة، التي أقيمت في هونغ كونغ بين 22 و30 يوليو 2026، كان خليفة العميري يحتل المركز 160 عالميًا. لم يكن اسمًا معروفًا على الساحة العالمية، ولم يسبق لأي لاعب سعودي أن بلغ دور الـ64 في تاريخ البطولة حاول كثير من المبارزين السعوديين كسر هذا الحاجز، لكن مشوارهم كان ينتهي في دور المجموعات أو في الأدوار الأولى من خروج المغلوب، مثل دوري الـ256 أو الـ128. لم ينجح احد من قبل ليس بسبب ضعف المستوى، بل لأن بطولة العالم تجمع نخبة المبارزين، وتُحسم فيها كثير من المواجهات بلمسة أو لمستين فقط، ما يجعل أي خطأ بسيط كفيلًا بإنهاء المشوار

لكن بطولة هونغ كونغ كانت قصة مختلفة تمامًا؛ قصة أدخلت خليفة العميري والسعودية تاريخ المبارزة من أوسع أبوابه. شهدت البطولة مشاركة 225 لاعبًا من نخبة مبارزي العالم، واستهل العميري مشواره بأداء لافت في دور المجموعات، بعدما حقق خمسة انتصارات من أصل ست مباريات. وتُعد هذه المرحلة بوابة الأدوار الإقصائية، إذ تُستخدم لتحديد اللاعبين المتأهلين وترتيب مواجهاتهم في دور خروج المغلوب

تأهل العميري مباشرة إلى دور الـ128، حيث استهل الأدوار الإقصائية بفوز مريح نسبيًا على الأرجنتيني جوستين أدولفو قوسمان بنتيجة 15-8 لكن ابتداءً من دور الـ64، تغيرت ملامح البطولة. هنا بدأت المواجهات التي لا تحتمل أي خطأ، حيث قد تُحسم المباراة بلمسة واحدة، ويصبح لكل نقطة ثمنها. في هذا الدور، واجه العميري النمساوي ألكسندر بيرو، ونجح في انتزاع الفوز بنتيجة 15-14، ليبلغ دور الـ32، وهو إنجاز لم يسبق لأي لاعب سعودي تحقيقه في بطولة العالم وبالنسبة لكثيرين، كان الوصول إلى هذا الدور نهاية الحلم. حتى بعض المقربين من العميري لم يتوقعوا أن يذهب أبعد من ذلك. لكن سنوات من العمل، والإعداد البدني والذهني، والدعم الذي وفره الجهاز الفني و الإداري و الطبي, جعلته يدخل كل مواجهة بعقلية المنافس, لا بعقلية المشارك

صورة من دوري ال32 بين اللاعب خليفة العميري و اللاعب الكوري هيومين جانق

العميري فجر مفاجأة أخرى و أطاح بالكوري هيومين جانق الحاصل على ميدالية فرق فضية هذه السنة و قبلها فرق برونزية في عام 2022 من دور ال32 في مباراة ملحمية أنتهت بلمسة فاصلة بنتيجة 8-7

الآن العميري لم يعد مفاجأة بل هو مقاتل أتى ليحصد ثمار تعب 15 سنة من التدريب و التحديات و الضغط و الاحباط. أمور لا يعرفها الى من مر بنفس تجربته و وصل أبعد من ما هو متوقع

في دور الـ16، واجه العميري الإيطالي سيميون مانكيرلي، أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، والذي أنهى البطولة مصنفًا ثالثًا عالميًا، كما يملك في سجله ثلاث ميداليات فضية في منافسات الفرق بكؤوس العالم. لكن العميري واصل عروضه الاستثنائية، وتغلب عليه بنتيجة 15-10، ليبلغ ربع النهائي ويكتب فصلًا جديدًا في تاريخ المبارزة السعودية

كان كثيرون يرون أن ربع النهائي هو المحطة التي ستتوقف عندها المفاجأة. فالمنافس هذه المرة هو الياباني كوكي كانو، بطل أولمبياد باريس 2024 وبطل العالم لعام 2025، وأحد أبرز نجوم المبارزة في العالم. لاعب اعتاد المنافسة على الميداليات والوجود بين الكبار لكن العميري لم ينظر إليه بالطريقة نفسها. لم يرَ بطلًا أولمبيًا أو بطلًا للعالم، بل رأى مبارزًا يقف على الطرف الآخر من الملعب، يرتدي الزي الأبيض نفسه، ويضع القناع نفسه، ويحمل سيفًا في يده اليمنى، بينما يحمل العميري سيفه في يده اليسرى. العميري دخل بضغط أقل, بثقة أكبر و كسب التحدي 15-12 ليضمن أول ميدالية سعودية في تاريخ بطولة العالم للمبارزة

بهذا الانتصار، لم يضمن العميري التأهل إلى نصف النهائي فحسب، بل ضمن أيضًا أول ميدالية سعودية في تاريخ بطولة العالم للمبارزة. ففي بطولات العالم، يحصل جميع المتأهلين إلى نصف النهائي على ميدالية برونزية على الأقل، إذ لا تُقام مباراة لتحديد المركزين الثالث والرابع. أما في الألعاب الأولمبية، فيخوض الخاسران في نصف النهائي مباراة فاصلة لحسم الميدالية البرونزية

في مواجهة نصف النهائي تواجه اللاعبان المصنف 160, سابقا, خليفة خليل العميري مع المصنف 56 قبل البطولة لوكاس مالكوتي. مواجهة بين لاعبين اثنين يريدون جلب مجد اعلى من ما جلباه بالفعل. فلما لا. هم مسحوا كلمة المستحيل من قاموسهما الليلة. بعد مواجهة متقلبة في النتيجة من تقدم الى تأخر للعميري و مالكوتي, أحتكم اللاعبان الى اللمسة الفاصلة و هي لمسة تضاف بعد تعادل اللاعبين و انتهاء الوقت الأصلي. هي لمسة واحدة و دقيقة واحدة تسبقها قرعة لتحديد الفائز في حال انتهاء الدقيقة و التعادل لا يزال قائم. القرعة تجبر أحد اللاعبين على عدم تضييع الوقت. في حالات نادرة جدا قد ينتهي الوقت و التعادل قائم و هو ما كاد أن يحصل في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 حيث, من نظر الكثيرين, ظلمت اللاعبة الكورية شين عندما واجهت اللاعبة الألمانية هيديمان بسبب خطأ تقني في احتساب الوقت. قصة مثيرة لمقال آخر

صورة من مواجهة نصف النهائي بين اللاعب خليفة العميري و اللاعب لوكاس مالكوتي

في مواجهة خليفة العميري مع اللاعب السويسري في نصف النهائي, كانت القرعة مع العميري لكن اللاعب السويسري أحرز النقطة الفاصلة لينتهي اللقاء بنتيجة 12-11 . لم يحرز العميري النقطة لكنه جلب المجد الأعلى في تاريخ المبارزة السعودية بحصوله على برونزية العالم

عمّت الفرحة أنحاء المملكة بهذا الإنجاز التاريخي، وتوالت رسائل التهنئة لخليفة العميري وللفريق الذي رافقه في هذه الرحلة. بعد نهاية المنافسات سجد الكابتن حسام الدين مصطفى واللاعب خليفة العميري شكرًا لله على أرضية الملعب، في مشهد اختصر خمسة عشر عامًا من العمل والتضحيات. رحلة بدأت في نادي الجزيرة بجزيرة دارين في محافظة القطيف، عندما اجتمع لاعب شاب بمدرب آمن بقدراته، وانتهت على منصة التتويج في هونغ كونغ في يوليو 2026، بعد أن أصبحا جزءًا من تاريخ الرياضة السعودية

بعد نهاية هذه البطولة, العميري أصبح المصنف 26 عالميا و هو أعلى تصنيف للاعب سعودي في تاريخ رياضة المبارزة. قصة العميري لا تزال مستمرة و هدفه القادم هو الوصول الى الأولمبياد و حصد الميدالية الذهبية. فبعد هذه البطولة, مسح العميري كلمة مستحيل من قاموسه و من قاموس كل مبارز سعودي

Previous
Previous

تاريخ رياضة المبارزة